كتبت ايمان الناغى
شيعت محافظة بورسعيد، محمد مهران بطل المقاومة الشعبية الفدائية، للعدوان الثلاثي عام 1956.
وتقدم الجنازة، اللواء عادل الغضبان محافظ بورسعيد، والقيادات الشعبية والتنفيذية، وذلك بعد أداء صلاة الجنازة بالمسجد العباسي حيث حمل جنود الشرطة العسكرية نعش الفقيد ملفوفا بعلم مصر.
فى جنازة عسكرية عقب صلاة الظهر من المسجد العباسى، يتقدمهم محافظ بورسعيد اللواء عادل الغضبان، ولفيف من القيادات التنفيذية.
يذكر أن الرئيس جمال عبد الناصر كرم البطل الراحل محمد مهران أسطورة المقاومة الشعبية، كما كرمه الرئيس عبدالفتاح السيسي، وكرمته أيضاً مختلف مؤسسات الدولة خلال الاحتفال بالعيد القومى لمحافظة بورسعيد.
واشتهر الفدائي البطل "محمد مهران" ببطولات سجلها التاريخ بأحرف من الذهب، بدأها من الصغر حيث اشترك مع الأطفال والشباب في التسلل داخل معسكرات الإنجليز خاصة معسكر "جولف كامب" بشارع محمد على وبعد كل غارة على هذا المعسكر كان الإنجليز ينتشرون بالشارع بمدافعهم ودباباتهم على الجانب الشرقي من الشارع وعلى الجانب الغربي من نفس الشارع وقف أبناء محافظة بورسعيد بكل شبابها وعجائزها ونسائها ليتحولوا إلى جنود فى المقاومة الشعبية للاحتلال ضد العدوان الثلاثي الغاشم لدول "بريطانيا وفرنسا وإسرائيل".
أسند للبطل الفدائي محمد مهران، قائد المقاومة الشعبية ببورسعيد، والذى كان ضمن قوات الحرس الوطني ببورسعيد، قيادة السرية الثانية من الكتيبة الأولى، في مهمة الدفاع عن مدخل مدينة بورسعيد الغربي، ومطار بورسعيد، ومنطقة الجميل، وسقط على يديه وعلى أيدي زملائه الكثير من جنود الاحتلال.
وفي الخامس من نوفمبر عام 1956، توجهت الطائرات المعتدية لضرب منطقة الجميل وبعض المناطق السكنية فى المحافظة الباسلة، إذ بدأت المظلات فى الهبوط إلى المدينة بقوة تبلغ 31 إنجليزياً، فما كان من مهران، قائد «سرية المقاومة»، إلا أن قتلهم جميعاً بمعاونة رفاقه، ولم يبقِ على أحد، بعد ذلك بدأ المزيد من القوات البريطانية فى التوافد، فصنعوا حفراً فى الشوارع الترابية، باتت خندقاً يقيهم نيران العدو، حتى كان رفيقه فى الحفرة، الذى خرج لملاقاة العدو فقتل، وخرج مهران فأخذ رصاصة فى رأسه وسقط مغشياً عليه فاقداً للوعى.
أسر محمد مهران، وحُمل إلى قبرص، وهو لا يعرف لمَ يذهبون به إلى هناك، فجأة وجد نفسه على سرير فى المستشفى، تابع للقوات البريطانية، اندهش، وحاول الضباط الإنجليز أن ينزعوا منه اعترافات عن السرية والمقاومة الشعبية فى بورسعيد، رفض، ساوموه على الحرية، فأجابهم أن حريته تكمن فى أن يرحلوا عن وطنه، أحسوا بعناده، وجد ضابطاً طبيباً بريطانياً يتحدث إليه، يسب مصر وعبدالناصر وبورسعيد، طالبه مهران بألا يفعل ذلك، ويلتزم الأدب، فلم يستجب، فما كان منه إلا أن سب بدوره بريطانيا ورئيس وزرائها آنذاك، تحول الحوار بعد ذلك إلى عقد صفقة فيما بينهما، قال له الطبيب: هل ترى عمياناً فى بلدكم؟ فأجابه بنعم، فعاد للسؤال: أيهما أفضل الأعمى أو البصير؟ فقال: البصير، حيث يمكنه رؤية حقيقة الأشياء، رد عليه الضابط الإنجليزي قائلاً إن من سوء حظك أنك تسببت فى عمى ضابط بريطاني فى بورسعيد، والعدل يقول إنه نأخذ عيناً منك، يأخذ قرنيتها، ونقلها للضابط البريطاني، ليرى كل منكما بعين واحدة وأخرى مغمضة، لكن بشرط أن تسجل بصوتك تسجيلا تعلن فيه طيب المعاملة.
وعقب وصلة من العذاب وصنوف من الألم تجرعها الفدائي "محمد مهران" على أيدي الضباط الذين أوسعوه ركلاً وإهانةً، صرخ، بلا مجيب لصراخه، أحس بدنو الأجل، فقبل التسجيل من أجل حصوله على راحة من العذاب بأي ثمن، ربت عليه الضابط بعد موافقته، وأخبره أن التعذيب سيتوقف، فتح جهاز التسجيل، وقال: «نحن الآن فى قبرص، معنا الشاب المصري محمد مهران، يتحدث عن السياسة الفاشلة فى مصر، والاستقبال الرائع من شعب بورسعيد للقوات البريطانية»، وأشار لمهران، أى تحدث، فقال مهران: «من هنا أطلب من الله النصر للفدائيين المصريين على أعداء مصر وأعداء العروبة، تحيا مصر، يحيا جمال عبدالناصر».
ما كان من الضابط البريطاني إلا أن أغلق جهاز التسجيل، ومعه أُغلقت عين مهران للأبد، نيران سرت فى عينيه، وارتعاشه فى جسده لم تتوقف، لم يفقد عيناً، بل فقد الاثنتين، وغابت عن بصره الرؤية، لكن بصيرته ظلت نافذة، ترى كل شيء، قال له الطبيب عقب العملية جملة واحدة: «فعلنا ذلك لتكون عبرة لأمثالك فى مصر»، ونجح أحد ضباط القوات المسلحة في خطف الفدائي البطل وأعاده لمصر فاقداً عينيه، وتم نقله لمستشفى المعادي العسكري، وفشلت إجراء عملية لإعادة نظره بعد ما تبين أن الطبيب الإنجليزى أزال عصب عينيه، حتى لا يعود مبصرا مرة أخرى.
اترك تعليقا:


